ابن رشد
29
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
من ذلك أنه في سنة 408 ه : " أصدر الخليفة القادر كتابا ضد المعتزلة ، فأمرهم بترك الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والمقالات المخالفة للإسلام ، وأنذرهم - إن خالفوا أمره - بحلول النكال والعقوبة . وامتثل السلطان محمود في غزنة أمر أمير المؤمنين واستن بسنته في قتل المخالفين ونفيهم وحبسهم وأمر بلعنهم على المنابر ، وصار ذلك سنة في الإسلام " . « 20 » ومن ذلك أيضا البيان الشهير الذي أصدره نفس الخليفة في بغداد سنة 433 ه والذي عرف باسمه : " البيان القادري " وأمر بقراءته في الدواوين " وكتب الفقهاء خطوطهم فيه أن هذا اعتقاد المسلمين ومن خالفه فقد فسق وكفر " . والبيان يقرر العقيدة الأشعرية بعبارات عامة " قانونية " كأنه مرسوم حكومي : " وكان معنى ذلك نهاية تطور علم الكلام . ويستطيع الرجل الثاقب النظر أن يتبين في كل كلمة من هذا الاعتقاد جراثيم المنازعات التي مضت عليها قرون " . « 21 » وفي هذه الفترة أيضا عرفت خراسان ، موطن كثير من زعماء الأشاعرة ، أمثال أبا بكر بن فورك الأصبهاني ( 406 ه ) وأبا إسحاق الأسفراييني ( 418 ه ) وأبا منصور عبد القاهر البغدادي ( 429 ه ) ، هؤلاء الذين كانوا أساتذة المذهب المنافحين عنه ، والذين جاء بيان " الاعتقاد القادري " ( سنة 433 ه ) تتويجا لجهودهم . ويهمنا أن نقف لحظة مع هذا الأخير ، أعني عبد القاهر البغدادي . فقد ألف كتابا جامعا في العقيدة الأشعرية جعل عنوانه " أصول الدين " ، ختمه بفصل في " بيان أحكام الكفر وأهل الأهواء والبدع " ، ومن تقبل منهم الجزية ومن لا تقبل منه ( - يقتل ) الخ . . . وهكذا فبعد أن يستعرض الكفرة والصابئة والنصارى والمجوس ، و " من لم يبلغه دعوة الإسلام " ، والمرتدين ، ينتقل إلى الفرق الإسلامية فيضع الباطنية " خارجة عن فرق الأهواء وداخلة في فرق الكفر الصريح " ، ويقول في شأن الغلاة وفرقهم إنهم " كلهم مرتدون عن الدين وحكمهم حكم أهل الردة " ، أما الخوارج فيقول عنهم إن " سائر أصنافهم كفرة في السر ، لكن لا يتعرض لهم ما لم يتعرضوا للمسلمين " ، مستندا في ذلك إلى موقف لعلي بن أبي طالب . وأما الجهمية ، أتباع الجهم بن صفوان فيكفرهم في قولهم " بأن الجنة والنار تفنيان " وفي قولهم " بحدوث علم الله تعالى " ، وأما المعتزلة ومن قال بقولهم فيكفرهم في مسائل معينة
--> ( 20 ) ابن الجوزي . المنتظم في تاريخ الأمم ( مخطوط ) . ذكره نقلا عنه : آدم ميتز . الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري . ج 1 . ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة . لجنة التأليف والترجمة والنشر . ط 3 . القاهرة 1957 . ص 363 . ( 21 ) آدم ميتز . نفس المرجع والصفحة . أنظر نص البيان في الملحق : آخر هذا المدخل .